قصة ليندي .. Day 19


“deep down inside of us”


 

اليوم قمت بإرتكاب ما يطلق عليه رحالة هذا الطريق بـ “الغلطة القاتلة”. هل من المعقول أن نتوه في الكامينو؟! نعم معقول .. حينما أتبعت خطى زملاء طريق من أمامي دون أن التفت بنفسي للأسهم التي تعلم الدرب بوضوح. الرجل الكندي وزوجته في المقدمة واصلوا السير للأمام رغم وجود علامة سهم تشير لليمين. أتبعتهم بغباء أنا وسيدة من جنوب أفريقيا بلا أن نلمح الأسهم الصفراء والنتيجة زيادة عدة كيلو مترات إضافية لمشوار هذا النهار الطويل.

هل كنت شاردة الذهن لهذا الحد أم أن عقلي الباطن احياناً يستسهل الانقياد لما هو واضح أمامي وانصاع له بشكل آلي بلا تركيز! لماذا وجدتني حانقة من داخلي على الزوجين المسكينين وأنا من أتبعهم! رمي احمال أخطائنا على الآخرين كانت أسهل لحظتها من أقف بشجاعة وأعترف أنني لم أركز في الدرب وأن هذه النتيجة الطبيعية للأمر وبكل بساطة. ولتسهيل الموقف علينا جميعاً عرضت عليهم أن أبتاع لهم حلوى في المحطة القادمة وقلت لهم إن السعرات الحرارية المحروقة تعطينا الحق بتدليل أنفسنا وكأن ما حدث هو هدية الطريق لنا.

مشوار اليوم سيكون انطلاقا من محطة المبيت في الليلة السابقة وصولاً لبلدة Terradillos de Los  Templarios. اعترف أن أسماء البلدات والقرى باتت تشكل لذهني معضلات يومية في الفترة الأخيرة. لم أعد أجيد نطقها وفقدت الحماسة حتى أن أبحث عن أسماء المحطات القادمة. قررت أن أمشي على الدرب واتبع أسهمي الصفراء وأقف متى ما رغبت بالتوقف وأن لا ألتزم بجدول معين انفذه في اليوم.

بعد مشي ما يقارب للسبعة عشر كيلو عبر سهول منبسطة قررت أن أجلس على جانب الطريق لراحة قدمي. عظمة ساقي باتت تنهكني وكنت طوال الطريق أمشي بسرعة أقل من المعتاد وأرتكز غالباً على عصي المشي.

جلست بجواري “ليندي” من جنوب أفريقيا وتعارفنا بشكل عام وذكرت لها أن لي مجموعة لا بأس بها من الصديقات الجنوب افريقيات تعرفت عليهن من خلال عملي السابق في أحد المستشفيات وعددت عليها مدن اقامتهن مثل جوهانس بيرغ وديربان وغيرها. طوال حديثي معها وملامحها كانت تتوهج فرحاً بريئاً وكأنها ألتقت بشخص تعرفه منذ زمن.

ليندي في ما يقارب الخمسين من عمرها. أو ربما أحزانها التي عرفتها لاحقاً كانت سبباً في حفر الأسى على وجهها وزيادة سنوات عمر إضافية لسنها الحقيقي.

سألتني مالذي دعاني أن أمشي الكامينو. ولأنني لحظتها لم أملك إجابة محددة بعد، بادرتها بعكس السؤال لها وقلت لماذا تمشين أنتي الكامينو!

وكأني فتحت صنبور ماء منهمر. لم تكن تتحدث فقط بل بدأت تغرف الكلمات من روحها. قالت أن زوجها يعمل في البرازيل مع منظمات إنسانية تعنى بتطوير المناطق العشوائية وإمدادها بالدواء والغذاء. عيناها كانت تنظر للسهول الممتدة أمامنا وهي تتحدث عنه وتصف مدى إنسانيته ولطفه وروحه الجميلة وحبه للخير وللمساعدة. حتى هذه اللحظة لم أكن أعلم أنه توفي. كانت تتحدث عنه بصيغة الحاضر. حتى حينما تحدثت عن وفاته استخدمت مفردة “سافر”. بدأت أفهم من حزنها العميق أنه ميت ولكن بقيت منصته لها بتركيز ولم أقاطعها لأستفسر أكثر.

تقول أن أكثر ما يؤلمها أنه حينما “عاد من السفر” كان في صندوق حقير وأن سلطات المطار قد ختمت جوازه بعبارة “لاغي”. عندها بدأت تعلو حدة صوتها و يديها كانت تتحرك بعصبية وبقيت تردد بحرقة موجعة “من أين لهم الجرأة أن يلغوا زوجي كهذا ببساطة! الا يعلمون كم هو مميز ورائع! لماذا تم فصل رقم هاتفه عن الخدمة! ولماذا لم أعد أسمعه!”

ذكرت لي انها غاضبة من الله لأنه أنتزع منها حبيبها. قالتها هكذا وبكل بساطة ولا أنكر أني قد استقبلت عبارتها تلك برعب داخلي. لا الموقف ولا المكان يسمح لي بالحكم عليها وعلى إيمانها. هي في حالة وجع عميق وألم حقيقي. ذكرت العبارة وصرحت بها وكم منا في حال المصائب الهائلة قد قالها بداخله وكتمها في مكنون صدره خوفاً من أن يقال له أنه غير راض بما كتب الله أو أن إيمانه قد نقص أو كفر.

ختمت حديثها بأنها فقدت إحساسها بالألم الجسدي وفقدت دينها ولم تفقد حبها لزوجها. تمشي اليوم لأنه كان يريد أن يعبر هذا الكامينو وهو معها كما تقول وتتحدث له باستمرار.

نهضت من المكان حتى أواصل المسير بعد أن ودعتها وحتى هذه اللحظة لا أعلم لماذا خفت من مجرد الجلوس معها! لماذا شعرت بطاقة منهكة سلبت مني القدرة على تحمل المزيد.

قطعت أكثر من سبعة وعشرين كيلو لهذا اليوم كنت أرغب أن اصل لبلدة أكبر من Terradillos de Los  Templarios ولكن لم أعد أقوى على المسير. القرية صغيرة جداً من عشرين منزل فقط لذا لم أكن أحلم بغرفة خاصة لهذه الليلة. هممم .. لا بأس فاختلاطي بأشخاص جدد مفيد بين الحين والآخر. والخروج من منطقة الراحة التي أمنحها بسخاء لنفسي يجب أن أختبرها وأكتشف قدرات الاحتمال التي أصل لها خلال الكامينو.

بات المسار ضيقاً أكثر كلما اقتربت من الدخول للقرية. لمحت حديقة عامة تحوي ألعاب أطفال ونافورة في وسطها. كان المكان مثل واحة منعشة وسط صحراء قاحلة.

حصلت على غرفة مفردة بثلاثين يورو في Hostal Moratinos  ولكن بحمام مشترك يقع آخر الممر. كنت ممتنة جداً لفكرة خصوصية الغرفة على الأقل.

في هذه القرية الصغيرة، نشأت اسطورة الدجاجة التي تبيض ذهباً. يؤمن سكان المكان أن تلك الدجاجة قد قام فرسان المعبد بدفنها أعلى التلة القريبة. تلك الفكرة وسيطرتها على أذهانهم جعلتهم يبرعون بعلوم الكيمياء والهاجس الدائم لديهم هو تحويل المواد إلى ذهب خالص.

 

 

 

.


مسار رحلة اليوم : Carrion de Los Condes – Terradillos de Los Templarios  (27km)
20th night stay: Hostal Moratinos .. Real, 12, 34349 Moratinos, Spain
Photo courtesy: Google images.

 

تعليق واحد


عفوا التعليقات مغلقة.